ثقافة

وبراءة الأطفال في عينيها

قصة واقعية ترويها وفاء انور

 

هناك حكايات طريفة تمر بنا، تظل مقيمة داخل ذاكرتنا، تأتينا في لحظة ما، تأخذنا معها وتستدعي ضحكاتنا؛ قد يحدث هذا في وقت غير مناسب، لكننا أمام إصرارها نعجز عن إبطال مفعولها، فنطلق الضحكات رغمًا عنا. تستيقظ هذه المواقف من سباتها وتطل علينا من نافذتها، تكاد أن تقوم بتهديدنا بالخروج للعلن من تلقاء نفسها، فتجبرنا على الإفصاح عنها، عن أشياء لا يروق لنا ذكرها، نتوسل إليها على استحياء وندعوها أن تفارقنا، لكنها تأبى التأجيل، فتجبرنا على تنفيذ أوامرها.

موقف طريف مر بي حين كنت في أحد صفوف المرحلة الإعدادية، فأنا لا أتذكر بالتحديد تاريخ الواقعة بقدر ما أتذكر أثرها، ها هى الضحكات تباغتني وتخرج من تلقاء نفسها، تتحداني أن أذكر ما لدى من تفاصيل عنها بنفسي، تفاصيل موقف لا يعلم من عاصروه معي عنه شيئًا، فقد احتفظت به وقمت بدفنه في حجرة الأسرار التي أعددتها لنفسي.

السبب الحقيقي وراء تذكري لهذا الموقف الطريف نتج عند مشاهدتي لهذا المشهد الشهير من فيلم “الناظر” للفنان علاء ولي الدين رحمة الله عليه، حينما قام الفنان علاء ولي الدين”صلاح” برن جرس باب شقة الجيران للسؤال عن صديقه عاطف الذي جسد دوره الفنان “أحمد حلمي” وكان كلما ضغط على جرس الباب بإصبعه، كلما سمع صراخًا آتيًا من الداخل، صراخ نتج عن ممارسة والد صديقه لهواية غريبة، فقد كان مولعًا بتجاربه العديدة مع الكهرباء، رغم خطورتها المتوقعة على حياته وعلى حياة المحيطين به.

في بيت العائلة، وفي شقتنا التي كانت في الدور الأرضي بدأت أولى فصول القصة؛ وكانت المناسبة هى ليلة رأس السنة؛ وكان أبي قد أحضر لنا من قبلها مصباحًا جديدًا، المصباح كان مغطى بلوح من زجاج مرسوم عليه بإتقان شديد أشجار عيد الميلاد وأجراسه، جذبتني ألوانه وطرأت على فكرة قررت تنفيذها في لحظة كنت فيها داخل الشقة بمفردي؛ تملكتني رغبة في القيام بإطفاء جميع الأنوار، والاكتفاء بهذه الإضاءة الجانبية الهادئة التي ستأتي من هذا المصباح الذي اشتراه لنا أبي.

أطفأت جميع الأنوار ووضعت الفيشة في القابس متخيلة لهذا المنظر البديع الذي سيوفره لي عندما يضيء فتعكس إضاءته بظلال الرسوم والألوان على جدارن غرفتي، لكن هذا لم يحدث، فاستنتجت أن فيشة الكهرباء قد تكون هى السبب، واستحضرت على الفور موقفًا سابقًا لأبي، عندما قام بإصلاح فيشة جهاز الراديو بنجاح، وقلت في نفسي: إن الأمر يبدو بسيطًا، فلماذا لا تجربي؟

اختمرت الفكرة في رأسي، وذهبت لأحضر مفكًا صغيرًا وبدأت في العمل، وأنا لا أعلم شيئًا بالطبع عن سالب أو موجب، لكني تمكنت من وضع السلك في الجهتين، وربطت المسامير على الجانبين، فخورة بمهارتي وبدقة ملاحظتي؛ وما هى إلا ثوان معدودة حتى تتطاير من الأسلاك الشرر، انطلقت عقب ذلك رائحة الدخان، فتسمرت من الخوف في مكاني.

سمعت حينها صوتًا يشبه الانفجار خارج الشقة، فخرجت مسرعة أستطلع الأمر حتى علمت أن هذا الصوت أتى من لوحة الكهرباء المسئولة عن إنارة المنزل بأكمله، مما زاد من قلقي وتوتري، في تلك اللحظة نزل أحد أعمامي من شقته مهرولًا، وهو يردد قوله: أستر يارب، ثم راح يسألني عن السبب بما أن شقتنا كانت في الدور الأرضي، تكتمت الأمر وتجاهلت سؤاله بعد أن تملكني الرعب من نوبة غضب قد تصدر منه لو علم بأنني السبب.

أحضر عمي سلمًا خشبيًا ثم صعد عليه لعله يتمكن من معالجة الأمر، ليتجمع من حوله كل أطفال البيت، راحوا يتابعون عن كثب ما يدور من عمل داخل هذه اللوحة الخشبية، منتظرين على أحر من الجمر عودة التيار الكهربائي، فمنهم من كان يتابع برنامجًا ومنهم من كان يستمتع بمشاهدة فيلم، أو ربما مباراة لكرة القدم، وبالفعل
نجح عمي في إصلاح ما أفسدته أنا بدون قصد.

عاد التيار وهلل الصغار، عاد هو وعادت معه روحي التي كادت أن تودعني خوفًا من عقاب أبي لو حضر حينها وعلم مني تفاصيل الموقف بأكمله، فأنا كنت أرتعد أمامه، ولم أكن أجرؤ على اللجوء لوسيلة أخرى للرد عليه سوى اعترافي بالخطأ.

اظهر المزيد

صلاح فضل

جاهدنا واجنهدنا لمواصلة مسيرتنا الصحفية عبر (بوابة الشريان) للعام الخامس على التوالي مع اقتراب حلول العام الجديد 2024 حرصا منا على تقديم خدمة صحفية ملتزمة بالدقة والموضوعية فيما طرحناه ونطرحه منذ بداية تحملنا تلك المسؤلية انطلاقتها في 2019 وهذا الالتزام جعلنا أصحاب رؤية صائبة في كل ما قدمناه من خبرات عالية من خلال استقطاب كبار الكتاب والصحفيين المتميزين ممن ساهموا وتعاونوا بحب وتفان دون اي مقابل مادي سوى الحب المتبادل فقط لاغير وهم لا يأ لون جهدا لاستكمال هذه المسيرة واسرة التحرير تقدر جهودهم الجبارة في بلاط صاحبة الجلالة فهنيئا للقراء الأعزاء والجديد في هذه النسخة اضافة (قناة الشريان) تضم حوارات ومنوعات وافراح وما يستجد من فيديوهات مختلفة ومبتكرة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى